سيد محمد طنطاوي

264

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

أقرب الملائكة إلى اللَّه - تعالى - يضمون إلى تسبيحهم لذاته - سبحانه - ، الاستغفار للمؤمنين ، والدعاء لهم . وقد ذكر كثير من المفسرين كلاما طويلا في صفة هؤلاء الملائكة وفي صفة العرش . رأينا أن نضرب عنه صفحا لضعفه وقلة فائدته . أي : الملائكة الكرام المقربون إلينا ، والحاملون لعرشنا ، والحافون به ، من صفاتهم أنهم * ( يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ) * أي : ينزهون اللَّه - تعالى - عن كل نقص ، ويلهجون بحمده وبالثناء عليه بما يليق به . * ( ويُؤْمِنُونَ بِه ) * - تعالى - إيمانا تاما لا يشوبه ما يتنافى مع هذا الإيمان والإذعان للَّه الواحد القهار . قال صاحب الكشاف : فإن قلت : ما فائدة قوله - تعالى - : * ( ويُؤْمِنُونَ بِه ) * ولا يخفى أن حملة العرش ومن حوله مؤمنون ؟ . قلت : فائدته إظهار شرف الإيمان وفضله ، والترغيب فيه ، كما وصف الأنبياء في غير موضع من كتابه بالصلاح كذلك ، كما عقب أعمال الخير بقوله - تعالى - : ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا فأبان بذلك فضل الإيمان « 1 » . ويستغفرون للذين آمنوا ، أي : أنهم بجانب تسبيحهم وحمدهم لربهم ، وإيمانهم به ، يتضرعون إليه - سبحانه - أن يغفر للذين آمنوا ذنوبهم . وفي هذا الاستغفار منهم للمؤمنين ، إشعار بمحبتهم لهم ، وعنايتهم بشأنهم ، لأنهم مثلهم في الإيمان بوحدانية - اللَّه تعالى - وفي وجوب إخلاص العبادة والطاعة له . ثم حكى - سبحانه - كيفية استغفارهم للمؤمنين فقال : * ( رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وعِلْماً ) * . والجملة الكريمة على تقدير قول محذوف ، وهذا القول في محل نصب على الحال من فاعل * ( يَسْتَغْفِرُونَ ) * وقوله * ( رَحْمَةً وعِلْماً ) * منصوبان على التمييز . أي : أنهم يستغفرون للذين آمنوا ، حالة كونهم قائلين : يا ربنا يا من وسعت رحمتك ووسع علمك كل شيء ، تقبل دعاءنا .

--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 4 ص 152 .